وهبة الزحيلي

17

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وعلماء الفلك قسموا النجوم التي تقع حول مدار القمر ثمانيا وعشرين مجموعة تسمى منازل القمر . وقد كان العرب يعرفون بها الأنواء ( أي الأمطار ) ، ويقيسون بالنسبة إليها مواقع الكواكب السيارة ومنها الشمس . 4 - لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أي لا يصح ولا يسهل لكل من الشمس والقمر أن يدرك أحدهما الآخر ، لأن لكل منهما مدارا مستقلا ، لا يجتمع مع الآخر فيه ، ولأن الشمس تسير مقدار درجة في اليوم ، والقمر يسير مقدار ( 13 ) درجة في اليوم . ولا تسبق آية الليل وهي القمر آية النهار وهي الشمس ، لأن لكل منهما مجالا وسلطانا ، فسلطان الشمس ومجالها بالنهار ، وسلطان القمر بالليل . وكل من الشمس والقمر والأرض يسبح ويدور في فلكه في السماء ، كما يسبح السمك في الماء ، فالشمس تسير في مدار لها نصف قطره ( 93 ) مليون ميل ، وتتم دورتها في سنة ، والقمر يدور حول الأرض كل شهر في مدار نصف قطره ( 24 ) ألف ميل ، والأرض تدور حول الشمس في سنة ، وحول نفسها في يوم وليلة . وهذا دليل على أن اللّه جعل لكل من الشمس والقمر والأرض مدارا مستقلا يدور فيه ، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادرا حينما يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر . وبعد بيان الدليل المكاني وهو الأرض والأدلة الزمنية الأربعة المتقدمة ، أتى تعالى بدليل آخر على قدرته ، وهو تسيير الإنسان في البحر كما يسير في البر ، كما قال تعالى : وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الإسراء 17 / 70 ] وقال هنا : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي ومن دلائل قدرته ورحمته تبارك وتعالى : تسخيره البحر ليحمل السفن ، وركوب الذرية ، أي الأولاد في السفن المملوءة بالبضائع التي ينقلونها من بلد إلى آخر ، لتوفير القوت